الشيخ محمد رشيد رضا

414

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذه هي أصناف الناس في الهدى والضلال ، بحسب ما خطر للفكر القاصر الآن ، ولا يصدق على صنف منها انه تبين له الهدى الا الأول والثاني ، فمن يشاقق الرسول من أفرادهما في حياته ، أو يعادي سنته من بعده ، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الذين هم أهل الهدى ، وانما سبيلهم كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم فهو الذي يقول اللّه تعالى فيه نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً وهو الذي يصدق عليه قوله تعالى في سورة أخرى ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ! ) وهم أجدر الناس بدخول جهنم وصليها والاحتراق بها وسائر أنواع عذابها لأنهم استحبوا العمى على الهدى ، وعاندوا الحق واتبعوا الهوى ، وأما سائر الأصناف فيولي اللّه كلا منهم ما تولى أيضا كما هي سنته في الانسان الذي خلقه مريدا مختارا حاكما على نفسه وعلى الطبيعة المحيطة به بحيث يتصرف فيهما التصرف الذي يراه خيرا له ولذلك غير في أطوار كثيرة أحوال معيشته وأساليب تربيته وسخر قوي الطبيعة العاتية لمنافعه ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) فهو مربي نفسه ومربي الطبيعة التي ألّهها بعض أصنافه جهلا منهم بأنفسهم وهو لا متصرف فوقه في هذه الأرض الا رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم . أقول هذا نسفا لأساس جبرية الفلسفة الأوربية الحاضرة بعد نسف أساس جبرية الفلسفة الغابرة ، هؤلاء الذين يظنون أن ما يسمونه الافعال المنعكسة تعمل في الانسان عملها ، وانه لا عمل له بها ، والصواب انه حاكم عليها كحكمها عليه فان ترك لها الحكم استبدت وان أراد أن يتصرف فيه وفيها فعل ، قلت إن من سنته تعالى في الانسان أن يولي كلا من تلك الأصناف ما تولى ولكنه لا يصلي كلا منهم جهنم التي ساء مصيرها ، لان إصلاء جهنم هو تابع لما يتولاه الانسان من الضلالة في اعتقاده ، وناهيك به إذا تولاها بعد أن ظهرت الهداية له ، وذلك ان الجزاء أثر طبيعي لما تكون عليه النفس في الدنيا من الطهارة